أرسطو

22

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس

إنما هو من جسمه ومن شهواته ومن حاجاته المختلفة إلى ما لا نهاية ، من كل أولئك تأتيه الهجمات التي قلما يتغلب عليها . من مبدأ مضادّ لمبدإ روحه ، تثار عليه هذه الحروب التي تنتهى عادة بفشله وخذلانه . ومن الغلو الاعتقاد بأن الرذيلة كلها تصدر عن الجسم ، وأن الروح ليس لها شهواتها الخاصة التي تفسدها إذا كانت شهوات خبيثة كالشهوات التي يدفعها إليها الجسم . غير أنه يمكن أن يقال بدون حيف : إن أكبر باعث على الشر في نفس الانسان يأتيها من الجسم الذي هي مرتبطة به والذي يمكنها بلا شك أن تتسلط عليه ما دام في قدرتها أن تعدمه متى شاءت ، ولكنه مع ذلك يتسلط عليها في كثير من الأحوال ويدنسها بالدوافع الخفية الأكيدة الأثر . فحمل الجسم على الاعتدال ورياضته إلى حدّ ما ، وإيتاؤه حقه من حاجاته ، وحبسه عن كل ما يتعدّاها ، وعلى جملة من القول جعل الجسم آلة ممتثلة وخادما مطيعا . تلك هي إحدى القواعد الأصلية للحياة الأخلاقية وبالنتيجة أحد الأجزاء الكبرى للعلم . إن اجتماع الروح والجسم أعنى العقل والمادّة هو مسئلة خفية ليس لعلم الأخلاق أن يثير ثائرها ، لاختصاصها بعلم ما وراء الطبيعة . غير أن من واجبه أن يبحث عن ظروف هذا الاجتماع ويفسرها على نور القانون . إنما هو عمل يدرسه كأعمال الضمير وليس بأقل أهمية منها . فإغفاله نقص عظيم ، وحذفه من علم الأخلاق قد يعرّض إلى عدم فهم الحياة الأخلاقية حق فهمها . مع أن هذه الحياة الأخلاقية ليست في الحقيقة إلا ضربا من المبارزة بين هذين الأصلين المتقابلين . قد ينتج من هذا التقابل أن عدوّ الانسان إنما هو جسمه الذي هو الواسطة للرذيلة إن لم يكن هو سببها بالذات ، ولكن هذا العدوّ وإن لم يكن إيانا ، فإنه جزء منا لا غنى لنا عنه . إنما هو رفيق ضروري ولو أنه خطر . وما دامت الحياة ، فإننا لا نستطيع